البحيرة الخضراء

كتبهايزن حلب ، في 9 شباط 2008 الساعة: 18:15 م

و في تلك اللحظة فقط, وحينها شعرت أنني
عطش و في حاجة الى ما يروي ظمأ السراب
الذي يسكن صحراء قلبي المقفرة, إلا من
عقارب سامة وثعابين مجلجلة ووحوش ضارية
 
ويسقي حرقة جوفيَّ المتشقق من الجفاف كما هي
الأرض العطشى في أفريقيا السوداء
الجو مخنوق جداً بموجة حر إستباقية داهمتنا
كأننا في دولة نفطية شديدة الحرارة
فقد ضُربت المنطقة بأسرها بطوق من الحر الأصيل الخالي
من أي نسمة ترطب الأحياء, كما ضرب النازييون جدار برلين.
 
وبينما كنت أسير وأتجول في متاهه التفاصيل الربانية
وجدت بركة أشبة بحيرتين صغيرتين من ماء فرات ناصع
إقتربت منها لأروي ما إستطعت من الظمأ المكشر
عن مخالبة المغروسة في حلقي, والذي يتعصر قلبي كما
يعتصر الليمون في الصيف. 
 
وقفت على مقربة منها, على حافة الجرف تحديداً
وأدركت الخطر المحقق ماذا لو أنني إقتربت أكثر
فلن أستطيع المبالغة في الأقتراب أكثر, لأن أعشاب
البحيرة الرطبة الزلقة تقف لي بالمرصاد متحديةً
ونظرت فيهما ممعناً
فوجدت أن نعومة الماء مغرية للغاية
وتحتوي على تفاصيل نادرة لم يشاهدها قط
في أي مكان. 
 
أمعنت النظر أكثر في تلك البحيرة الصافية
ذات الأعشاب الخضراء والطحالب السوداء
العميقة جداً, لدرجة لم أستطع رؤية القاع
من شدة إخضرارها, يوسطها دائرة سوداء
تمتد الى مجرة لامتناهية من الجمال.
 
فما كان مني إلا أن وقفت مستسلماً, أتأمل رقة
الماء وإنسيابة بين الأعشاب والنباتات بعفوية
كأني أراقب سير جريان الحياة في تلك البقعة
من الجنة, التى هي من إبداع الخلاق المتكبر الغفور
حتى أنة قد طال وقوفي, وطال خشوعي وإستسلامي.
 
سألتني وهي تمسك بكأس من الماء بغرور وتعال
هل أنت عطشان …؟
أومأت لها برأسي بالإيجاب, فلم تكن الكلمات
تقوى على الاستقاظ والشرح, من شدة عطشها وتعبها.
 
قالت: ولم لا تشرب من هنا …! وأشارت للبحيرة
إن مياة هذة البحيرة الصغيرة صافياً, يروي الطعشان
لايخدعنك إخضرار القاع فيها, إلا أنها عذبة زلال
ترويك بسخاء وكرم.
 
وإذا بالحروف تنتفض من لساني, كأنها تشرب
من بحيرة كلماتها العذبة
قلت: بحياء, ولكن أستطيع أن أشرب
لأن العشب المحيط بالبحيرة ندي وزلق
فأذا إقتربت أكثر, إنزلقت قدماي
وسقطت فيها غريقاً, لاحول لي ولا قوة
والبحيرة عميقة كما ترين, وأنا لا أجيد فن السباحة
بل وإنني أكرة السباحة منذ كنت صغيراً
 
هلا أعطيتني هذا الكأس من الماء من فضلك
أكاد أن أموت من العطش.
 
تبسمت ضاحكة لقولي وقالت:
لا …لا أبداً, لا يمكنك أن تشرب من هذا الكأس
ومياة البحيرة كلها تنتظر قدومك بشغف
كيف لك أن ترضى بكأس قليل, وهنا الشيئ الكثير الكثير
كيف لك أن تطلب من إمرأة ضعيفة أمراً, وأنت الشهم الهمام
أعتقد أنك لست عطشاً بما فية الكفاية
لكي تحاول الشرب من البحيرة
عليك الإعتراف, إنك لست عطشاً على الإطلاق
هيا أخبرني أهذا هو ضعف وإنقياد الرجال
الذي يتحدثون عنة…؟
أم أنها مجرد محاولة للأستثارة شلال عواطفي
واللعب على أوتار غديري …؟
 
قلت: أوتعتقدين هذا حقاً…!!
أستحلفك بالله كيف لك أن تفكري بهذة الطريقة …؟
أتريدين أن تذبحيني عطشاً وقهراً …؟
 
قالت: لا أبداً, ولكنك كباقي رجال جنسك تريديون
أن تظفروا بالغنيمة الثمينة, بتكبر وصلف
دون أدنى رغبة في ممارسة الرومنسية والتملق
ألا تجرؤ على المخاطرة في سبيل ما ترغب يا هذا…!!
أين ذهبت شجاعة الفرسان ونبل الرجال, ورباطة جأش
العشاق …؟
 
إن أغلب الشعر العربي يتكلم عن بأسكم وعشقكم أيها الرجل
المغوار ذو الملامح القاسية …!
 
قلت: لست هنا في لعبة مقامرة, لأنها ضرب من الجنون
سوف أقع غريقاً في تلك البحيرة لا محال
وأنا كما أخبرتك, لا أجيد فن السباحة والغطس.
 
قالت: هب ذلك, أفلا تكسب شرف مجرد المحاولة
وكفاك فخراً وبطولة, أن تموت في سبيل حياتك و
نجاتك, وبقائك على قيد الحياة مع من تحب.
 
قلت: والسرور قد غمرني, أتعتقدين ذلك حقا …؟
قالت: لا شك يراودني في ذلك على الإطلاق.
فكرت ملياً ثم
قلت: سوف أحاول ولكن على شرط
قالت: وماهو …!
قلت: إذا سقطت في البحيرة عليكي أن تنقذيني
بما تعرفين من فنون السباحة.
 
قالت: حسناً, أعدك أنني لن أقف مكتوفة الأيدي
قلت: حسنا, وإقتربت من البحيرة خطوة واحدة بحذر
وإقتربت أكثر …. فأكثر, ووصلت لغايتي, ممدت يدي
لأغرف بعض قطرات الحياة, وما أن شقت يداي
بطن سطح الماء الأملس, لأقتطع من جسدة ما يبقيني حياً
 
حتى إنزلقت قدمي اليسرى بفعل التراب الرطب
وسقطت في الأعماق بقوة, وتحركت المياة الراكدة
منبة أن هناك فريسة مغفلة قد دخلت الى المصيدة
محدثة صوت سقوط شيئ ثقيل, وأخذت ملايين الفقاعات
بالصعود للأعلى, بينما كنت أنزل للأعماق
وأنا أتخبط في الماء بكل طاقتي
أتمسك بقطرات الماء فتخذلني, بغرورها ووهنا
ودموعها الكاذبة, صحت بصوت متهدج من فزعي
ومن هول فكرة نهاية حياتي غرقاً
 
أنقذيني …. أنقذيني أرجوكي … أنقذيني
فأذا بها تصفعني بضحكها وهي وتقول
يا لك من مسكين, ظمآن أنت ولا تعرف السباحة …!
يا لك من ضعيف, مثير للشفقة أنت حقاً يا هذا
وأكملت كلامها بموجات ضحكها المجنون
ولم يبقى في جدران أذني سوى, صدى قهقهاتها
المتواصلة وهي ترتطم بفؤادي, كأنها شريرة وقد غنمت
بفريستها الضعيفة.
وعندما أيقنت أنه الفراق, أشهدت الله تعالى على
وحدانيتة, وكبرت وهللت و … و فارقت الحياة
إنها …. النهاية 
 
********************************************
 
وعند النهاية أفقت من شخوص بصري وقد إتسعت حدقتا عيناي
الى آخر مداهما من الذهول كأنني أشاهد عالم من السحر
وأنا أنظر الى حدقتا عينيها …
البحيرة الصافية ذات الأعشاب الخضراء, والطحالب
السوداء العميقة جداً.
 
وإذا بها تقول لي بتبسم, وهي تمسك كأس
ماء بارد مع قطع ثلج تزيدها برودة
وتزيدني ولهه ولوعة
 
مابك يا حبيبي …!!!
أمازلت عطشاً …!!!
ألم ترتوي من بحيرة عيناي هاتين يا حبيبي …!!! 
هيا إقترب ولا تخف, أتجيد السباحة …!!!
لا يهم, لو أنك وقعت في بحيرة عيناي
ولوغرقت في خضرة الأعشاب وسواد القاع
سوف أنقذك …
فأنا أعلم بالبحيرة وبالسباحة
صدقني … لا تخف … لا تخف …
إقترب … نعم إقترب أكثر و…
وإقتربت كما أمرتني ….و
 
أنفجرت ضحكة مجلجلة دوت في أرجاء مكان ما, في غرفة
متواضعة ببلد عربي في فصل الصيف عام 1999م.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “البحيرة الخضراء”

  1. الغرور حلو كتيررررررررر بس يكون بموقعه ……..

    والبنت قد ماكانت قلبا قاسي بس بيكون قلبا طيب صح لا يخلى الامر في منون قلبون قاسي بس مو متل الشباب هل اليومين الله يجيرنا يارب

    بس الحلو انو البنت طلعت عند كلمتا

    هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه

    ومتل ما قال شاعرنا الكبير جرير :

    إن العيون التي في طرفها حورٌ قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

    والا شو رايك ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

    شكرا الك يزن افندي

  2. لفتة ظريفة يا يزن كل مرة بحسب القصة شي وبتطلع شي تاني

    شكرا الك

  3. شكرا لمروركم اللطيف جميعاً



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر