نخوه

كتبهايزن حلب ، في 11 شباط 2009 الساعة: 22:02 م



ركض الخادم الأنيق النحيل، ذو البدلة السوداء كأنة في سباق مراثون حاملاً معه
صينية من فضة تلمع، تحمل فوقها جرائد ومجلات الصباح اليومية كما جرت العادة
ولكن أخبار اليوم ليست بالعادية على الاطلاق، عبر حديقة الفيلا ليصل الى المسبح
بخطى مهزوزة، وكاد يتعثر في طريقة من شدة اضطرابه كأنة يحمل معه خبر نعي أحدهم،
الحزن والتأثر كانا ظاهران على سحنتة بشكل لا يختلف على تفسيرة اثنان،
تلك السحنة السمراء البلدية المشبعة بأشعة الشمس القاسية.

هتف الخادم بصوتة الرفيع الحاد كأنة جرس إنذار:
الحق يا منصور بيك الحق …. كارثة كارثة وحلت …

وضع رجل الأعمال منصور بيك كوب العصير
من يدة برعب واعتدل من مجلسة بصعوبه، صعوبه
سببتها أكوام الدهون المكتزه والملازمه لجسته والتي تحسبها
ستكتم على أنفاسة وتمنع عنه الأوكسجين لتخنقة من غيظها،
يغطيه كومة من شعر أسود كثيف تجعلة كبيت من شعر،
أو أقرب لحيوان لغوريلا منة لبني البشر.

اعتاد منصور بيك على أخذ حمامه الشمسي والاستمتاع
حول بركة السباحة بفطور متخم بالعسل والقشطة
وابريق من عصير البرتقال الطازج الذي تعدة له الشغالة (سعدية) كل صباح
مع الكروسان وقطع من جبنة القشقوان البلجيكي التي يعشقها
ومرتديلا (البافاريا) الالماني رغم أنة لا يحبها إلا أنها ليست له بطبيعه الحال،
إنها لكلبة المفضل (ديغر) يرميها علية بين الحين والآخر ليطمئن أنة لا يزال
ذلك الكائن الوفي الوحيد في العالم، الذي يستطيع أن يثق بوفائة
والذي لا يغدره لمال، أو لنساء، أو لمصلحة ما
وهو مستلقي على كرسي السباحة، تعلوه شمسية ترخي عليه من ظلها
نزع منصور بيك نظارتة السوداء بسرعة وقلبة يخفق كالخلاط الكهربائي

خير خير شوفي … احترق مصنع النسيج ….!
رد الخادم لالا بعيد الشر بس ….
بس شو !! فلست البورصة والبنك….!
لالا بعيد الشر بس ….
فيلتي بباريس انتشلت لوحاتي، تحفي، أثرياتي …!
لالا…لا اطمن
حدا من ولادي صرلو شي …!
لالالالالا لا سمح الله ….
لا بتحكي فوراً ولا مابتعرف شو بعمل فيك …!!!
والله مابعرف شو بدي أقلك يا بيك بس …
خود هالجريدة أقراها وأنت بتعرف شو في، لحالك
طيب روح جبلي حبايات الضغط والقلب
يلي بغرفتي بسرعة …مع كاسة مي
هرول الخادم الى حيث أمرة سيده

نظر منصور بيك الى كومة الجرائد بريبة
كأنة ينظر الى جثة ميت متعفنة، أختار واحدة منها بقرف،
وأخذ يقرأ بعمق وسرعة كأنة يلتهم كلامتها مع فطورة ثم
تنهد بطمئنينة وقد أرتاحت أساريرة بعد أن تأكد أن مقدساتة الأربع
بخير والحمد لله، حسبي الله ونعم الوكيل بس، لا حول ولا قوة الا بالله
لالا هيك ما بيصير أبداً، هالموضوع ما بينسكت عليه أبداً، شو نحنا وين عايشين !
أنا لازم أتصرف فوراً وبسرعة، المسلم أخو المسلم كالبنيان المرصوص.

قدم الخادم وهو يلهث حاملاً بيدة صينية فضة مليئة بالأدوية وكوب ماء كبير
قريت الخبر يا بيك …! شفت الكارثة … شفت الدمار شفت الــ….
قاطعة منصور بيك بصوت خافت احترماً لقدسية الفاجعة
وكأنة في مأتم أو كأنة من ذوي الضحايا،
آيه آيه شفت يا ابني شفت، وقريت كل شي، حسبي الله بس،
أخذ نفساً عميقاً ثم نفخ صدرة الضخم بغرور
كأنة يثبت لخادمة أنة من سلالة الطائي حاتم، طيب الله ثراه
اتصل بمدير البنك وقلو بدي اتبرع بمبلغ كبير … مبلغ محترم،
حرام الناس لبعضا، ما بيجوز من الله نتركون هيك لحالون وقت الشدة، وقت الضيق

إرتبك الخادم عندما شاهد الجريدة وقال بجزع:
بس يا بيك أنت لمين بدك تتبرع بمبلغ كبير محترم …!
رد البيك بعصبية لمين يعني للرقاصة (هيهات)
المسكينة عملت حادث امبارحة بسيارتها (الرانج) الأورنج، هيه وضيوفها
وانقلبت فيون وكانت رح تموت المسكينة لولا لطف ربك بعدي اسمو،
هز رأسة بتأكد، والله أعلم كانت سكرانة، ثم نفاه بهزة أخرى
لالا ما أظن …. أصلا الطريق من الملهى لبيتها كتير خطير،
انا نبهتا كذا مره، بس قدر وبدو يوقع، الحمد لله على كل حال
يا أخي هالبلدية لهلئ ما عرفت تزفت هالطريق…. طريق الموت …!
كلو مطبات، وحفر، وجور، وعتمة، وين عم يروحو مصرات الضرايب ما بعرف…!
زاد ارتباك الخادم وقال:
بس …. بس يا بيك أنت أخدت الجريدة الغلط
قصدي أخدت الجريدة الفنية، وتركت جريدة الأخبار الي فيا الخبر المأساوي
زادت عصبية البيك وقال:
ليش شو فيها جريدة الأخبار … إنقلاب مثلاً…! وريني تشوف، وشد جريدة كأنة يسرقها
وقرأ العنوان بالبنط العريض،
إسرائيل تشن حرباً شرسة على قطاع غزة وتخلف عشرات الضحايا من المدنيين الأبرياء

انتفض البيك واقفاً كأن عقرباً مسموماً قد لدغة، وقد بدى كمن فقد الأمل في الخادم
يا ابني مشان هيك خًربت على حمامي الشمسي …! بأسى …. الله يصطفل فيك
مشان هيك كنت بدك تقطع نسلي …! أمرك عجيب يا أخي …!
امتى نحنا كنا نحكي بالسياسة وأمور السياسة  اااه امتى …! هم بالتحدث إلا أنة لم يدعة
ابني فهام علي مره وحدة بحياة عمرك، الله يرضى عليك، نحنا مالنا بالسياسة وما منتدخل فيها
أنت من غزة شي ….؟ لم يدعة يجاوب
أنت فلسطيني شي ….؟ لك جاوبني … هم بالتحدث إلا أنه لم يدعة …
لو فلسطيني روح قاتل مع أهلك بفلسطين ليش قاعد هون …!
لا تقعد هون، نحنا أكتر شي منقدر نعملو أنو ندعيلون، الله يفرج عليهون كربون وبسسس
ومشي خطوتين للأمام ورأسة مطرق لأسفل، كأنة يتكلم الى حشرات الأرض بصوت عال
لازم نقتصد بالمصروف وما نبعزء النعمة شروي غروي، الخادم … نعم سيدي
الله عز وجل قال إن المبذرين كانوا إخوان للشياطين … نعم سيدي
المصاريف زادت، … نعم سيدي
والدخل عم يقل كمان … نعم سيدي
والحياة صايرة غالية وصعبة … نعم سيدي
بصوت يشبة بطل فلم وهو يطلق زوجاته قال:
….. جمال …. نعم سيدي ….!!
أنت مطرود.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر