لوليا
إهداء إلى الغالية التي أتعبتها
ببؤسي وشقائي وغروري
إلى العزيزة ألاء الرشيد
يزن حلب في: 20/5/2010
هناك قرب المنارة العتيقة وقفنا، عند الجرف الصخري القاسي تحديداً، المطل على بحر شديد الاضطراب، أمواجه غاضبة برعونة تلطم صخوره بسادية جلاد صهيوني، كأنها تقطعه وتفتته وتحوله إلى حجارة ميتة بلا استسلام وبلانهاية .
مدينتنا البعيدة البائسة، تلك المدينة الباهتة الأضواء والمتعبة، المعجونة بالحب والأسى، كل ما فيها يضج بوهج الألم وخيبة الأمل، كل شيئ على هذا الجرف هادئ ومريح، بسيط ومجنون، مبعثر ومضطرب، طيور النورس المجنونة تتسابق وتتقاتل فيما بينها لالتهام شيئ يقذف به البحر العملاق، يكاد زعيقها يقتلنا من شدته، بدت الغيوم رمادية داكنة كثيفة تتوالد بسرعة كأنها تبني مملكة للجان، ورياح الشتاء عبوسة تمر علينا وتصفع أجسادنا وآذاننا بصوت صفيرها الذي يشبه عواء ذئاب برية .
لوليا أيتها الطاهرة, يا ملكة مملكة سبأ السحيقة، أقسم أن الأشراف سيمرون على يدك صباح مساء ليقبلوها ولتصفحي عنهم, لوليا أيتها القديسة أمنحي الخلائق صكوك غفرانك، طهريهم من دنسهم, من ألمهم وخطاياهم، أمسحي عن جبهاتهم العريضة، مري بيدك على رؤوسهم، اهمسي في الجمع الكبير تحيى مملكة سبأ تحيى مملكة الحب .
حاولت جمعها بكل عيوني لأضمها لصدري وأحضنها، لأعصرها، لأدخلها لجوفي لأنثرها في كل نسمة من روحي لأعجنها في كل خلية من جسدي وأدفنها في جثتي، مسافة قليلة هي فقط التي تفصل بين شفتينا، كمسافة ظمآن لكأس ماء بارد وهو يقربه من فمه، أنفاسها المتهدجة حارة، تلفح وجهي كأنها نافذة جهم فتحت لتبتلعني وتسحبني لجحيمها وقاومت.
مسكت يدين ناعمتين دافئتين كأيدي القطط، كنت كذئب أعور يمسك بيد طفلة صغيرة تلبس ثوباً أحمراً ولعابة يسيل بغزارة يريد أن يفترسها، لطالما تذوقت رحيق نهديها وغرفت في أنهار ساقيها .
نظرت إليَّ بعيون زجاجية متكسرة بدا الدمع يتموج داخلهما كزوارق الصيادين المضطربة في البحر، يا الله كم أعشق تلك النظرات، أذوب فيهما برقة، سحبت نفساً عميقاً لأقوى على احتمالها وقلت :
كيف حالك يا لوليا …؟ أشاحت بوجهها عني كأنها تكلم شبح يقف بجانبي .
لست على خير حال …. لست على خير حال وأنت تعرف لماذا، وصمتت … كأن دهر من الزمن قد مر وانتهي، كأن الكائنات قد توقفت عن الحراك، لم أعد أسمع صوت ارتطام الأمواج ولا زعيق النوارس، كسرت صمتها كأني أكسر أنية فخار .
لوليا …. لا تحزني، وبصوت قزم معاتب تابعت، من الأبله الذي يرفض العيش في جنان ! ها من !! من يرفض السلطة … الجاه … المال … !! القصر الكبير !! والفراش الوثير … وعصير العنب …! وحبات لؤلؤ بيضاء تنير جيدك …! دارت رأسها نحوي بسرعة كأنها تتأكد من الشيطان الذي يتكلم، ثم نظرت طويلاً قبل أن تمسك بذراعي وتهزني بقوة كأنها تقتلعني من جذوري، تيقظني من سهوتي من رقادي من عهري من عربدة الأفكار الجامحة التي تغزوني، قالت :
هاشم هل تخفف عني أم تواسني أم تعذبني أم تذبحني … !! كل مدينة الصيادين الحزينة تعلم بقصة حبنا، كل من في الأرض يعلم أنني أحبك، أسأل قهوة الصيادين، وشجرة الجوز الملعونة، والبحر الغدار … أسألهم …. بالله عليك اسأل هذا الجرف المتصخر كقلبك، الذي يحتوينا كعينيك … اسأله كم ضحكنا وغنينا … ألازلت تراهن بأن صوتي أجمل من صوتك ….! مستحيل إن لصوتك لحناً عذباً تعشقه أذني وترتاح له، أتذكر كم تعانقنا … كم انتشينا … أنظر إلى شفاهي أتراهم ؟؟ أنظراً إلى أثر شفتاك، لقد مروا من هنا، رقدتا طويلاً ثم رحلتا، أنظر جيداً سترى شبابك الغض قد ترعرع ونما هنا، سترى مستقبلنا، سترى بيتنا الصغير الذي بنيناه على الرمل، سترى لوليتك تحضر لك طعام الغداء وأنت عائد من عملك تعب، مهما كانت حالتنا من سوء أقسم، أقسم بكل مقدس بأنني لن أشتكي، أتسمعني لن أشتكي، أنت كل من لي، أتذكر قصة (سيدنا إسماعيل) التي قصصتها علي …!! عندما زاره أباه … سأكون الزوجة الصالحة سأكون عتبت بيتك المثبتة سأكون فراشك ومصباحك سأكون قلمك ودفترك، سأحمد ربي على نعمتك، هاشم ….. لا تتركني لأوغاد معتوهين، لتجار الضمائر المتفسخة، لأصحاب الكروش المتخمة والوجوه الصدئة والعقول المتقيحة لو شققت قلوبهم لرأيت الدود يعشش داخلها ويبني له ممالك .
أطرقت رأسي فبدوت كفزاعة الحقل تماماً، كجثة من قش تحط عليها الغربان السود تنقر رأسي وتنبش القش المتعفن وتعري ما تبقى لي من بعض كرامه وترميه بعيداً، نظرت بعيداً نحو مدينتنا الملوثة بتخاريف أسطوريه أريد طوق نجاة، مخلص يفك عني القيود الحديدية الثقيلة التي لفت على عنقي ويداي وقدمي، هممت بالكلام أحسست بأني سوف أتفوه ببول نجس، بقذارة حيوان بري، سكتت ونظرت إلى ساعتي التي أهدتني إياها حين تخرجي من الجامعة الملعونة، مسحت عليها بقوة أريد أن أكسرها، ولم أقوى على قول شيئ كانت الكلمات أشبة بفقاعات صابون تنتفخ في حلقي لتكبر ثم تنفجر في الهواء، وفجأة دوى أمامي صوت زمور سيارة كبيرة كأنها أفعى سوداء ممدة بسلام، لم تلتفت ولكنها عدلت من وقفتها كأنها أيقنت أن ساعة الرحيل قد أزفت .
قالت ولجهة التحدي تتقمصها كأنها قائد حربي يحمس جنوده، هاشم … لا يزال هناك وقت … اسمع لن أتزوج من (الأقرع) … قالتها وكأن صخرة وقفت في حلقها تمنعها من التنفس، هاشم اسمعني جيداً، لقد رسمت لنا خطة هروب محكمة وبسيطة سأراك اليوم عند إشراقه الصباح عند آذان الفجر تحديداً، سأحمل حقيبة واحدة فقط ، سأجمع فيها الأشياء الضرورية، سأجمع رسائلك وأشعارك وصورنا معاً وزهرة الجوري وعطر (البتول) وخيزرانه الجنة التي سوف تأدبني بها إن لم






























